عبد الشافى محمد عبد اللطيف

26

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

1 - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري « 1 » : ينتسب الزهري إلى بني زهرة ، وهم أخوال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو من كبار التابعين وأعلامهم ، ويعتبر من أعظم مؤرخي المغازي والسير ، وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدرسة المدينة التاريخية ، إلى جانب كونه من كبار الفقهاء والمحدثين . وقد رأى الزهري عشرة من الصحابة ، وتتلمذ على كبار علماء التابعين وأعلامهم ، ومنهم سعيد ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة ؛ وهؤلاء هم الذين كان الزهري يعتبرهم بحور قريش في العلم . وروى عن الزهري جماعة من العلماء الأئمة الأعلام ، يأتي في مقدمتهم فقيه المدينة وعالمها الأشهر - الذي قيل عنه : لا يفتى ومالك في المدينة - مالك بن أنس الأصبحي ، وسفيان بن عيينة ، وسفيان الثوري ، وقد ذاع صيت الزهري ، وأصبحت له مكانة علمية رفيعة في أوساط العلماء ، فقد سئل مكحول الدمشقي : من أعلم من رأيت ؟ فقال : ابن شهاب ، قيل له : ثم من ؟ قال : ابن شهاب ، قيل له : ثم من ؟ قال : ابن شهاب كان قد حفظ علم الفقهاء السبعة - يقصد فقهاء المدينة المشهورين - وكتب عمر بن عبد العزيز - وهو خليفة - إلى سائر الأقاليم : « عليكم بابن شهاب ، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه » « 2 » . فعمر بن عبد العزيز - وهو من هو - لا يقول مثل ذلك الكلام عن ابن شهاب إلا إذا كان الرجل فعلا يستحق هذا الثناء من الخليفة العالم ، بما بلغ من مكانة علمية . والحق أن ابن شهاب كان موضع احترام وإجلال خلفاء بني أمية ؛ لأنه إلى جانب تبحره في العلوم ، كان يحترم نفسه ، ولم يداهن في الحق « 3 » . وقد امتاز محمد بن شهاب الزهري عن معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين واقتناء الكتب . وكان إذا جلس في بيته بين كتبه اشتغل بها عن كل شيء سواها من أمور الدنيا ، حتى يروى أن امرأته كانت تقول له : « إن هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر » « 4 » ؛ لاشتغاله بها عنها .

--> ( 1 ) انظر ترجمة الزهري في وفيات الأعيان لابن خلكان ( 4 / 177 ) وما بعدها ، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ( 9 / 448 ) وما بعدها . ( 2 ) انظر وفيات الأعيان ( 4 / 177 ) . ( 3 ) انظر المغازي الأولى ومؤلفوها ( ص 58 ) . ( 4 ) انظر وفيات الأعيان ( 4 / 177 ) .